مـــــنـــتـــديـــات أيــــــت ايـــعـــــــزة

منتديات أيت ايعزة - تارودانت - ترحب بكم
وتتمنى لكم زيارة ممتعة ميلئة بالعلم والمعرفة .
و كل عام و أنتم بخير...

ثـقـافـيـة - فـنـيـة - ريـاضـيـة -عـلـمـيـة - تـربـويـة ...

منتديات أيت ايعزة ترحب بجميع شبابها وتدعوهم للتسجيل والمشاركة الإيجابية في التعريف بمدينتهم ....

    تحليل كتاب قراءة ثانية في شعرنا الحديث

    شاطر

    ait iazza
    المشرف العام

    عدد المساهمات: 18
    تاريخ التسجيل: 25/09/2011
    العمر: 29
    الموقع: http://aljoulane-school.moontada.net

    تحليل كتاب قراءة ثانية في شعرنا الحديث

    مُساهمة  ait iazza في الأربعاء سبتمبر 28, 2011 2:12 am

    نقد الأسطوري عند الدكتور مصطفى ناصف من خلال كتابه
    " قراءة ثانية لشعرنا القديم"

    الدكتور جميل حمداوي

    يعتبر الدكتور مصطفى ناصف من أهم نقاد العرب الذين اشتغلوا على التراث العربي القديم والحديث من زوايا منهجية مختلفة تتراوح بين الدراسة البلاغية والأسلوبية والتفكيكية والتأويلية والأسطورية. ولقد كان الشعر العربي القديم هدفا لكثير من دراساته ولاسيما كتابه القيم" قراءة ثانية لشعرنا القديم"، وهو عبارة عن فصول نقدية متنوعة انكب فيها على الشعر الجاهلي بالفحص والتحليل والتقويم من خلال رؤية جديدة وهي الرؤية الأنتروبولوجية أو المنهج الأسطوري. إذاً، ماهي القضايا النقدية التي يطرحها هذا الكتاب؟ وماهي خصائصه المنهجية والفنية؟ وماهي الملاحظات التقويمية التي يمكن أن نخرج بها بعد قراءتنا لهذا المتن النقدي؟

    1- بيوغرافية المؤلف:

    ولد مصطفى ناصف بمحافظة الغربية في جمهورية مصر العربية سنة 1922م، وحصل على دكتوراه الدولة في البلاغة من جامعة عين شمس عام 1952 م. وقد اهتم بالنقد النظري والتطبيقي منذ أمد طويل. واهتم كثيرا بالتراث العربي القديم ومناهجه البلاغية والنقدية مقارنا إياها بمستجدات الفكر الغربي المعاصر. وكان هدفه من مقارباته النقدية التأصيل والتأسيس لنقد عربي جديد وقراءة واعية للتراث الأدبي دون الانسياق وراء مفاهيم التجريب وما تراكم في الغرب من نظريات نصية وممارسات تطبيقية إجرائية .
    وللدكتور مصطفى ناصف كتب عديدة منها: نظرية المعنى في النقد العربي، ودراسة الأدب العربي، والصورة الأدبية، ونظرية التأويل، والنقد العربي نحو نظرية ثانية،واللغة بين البلاغة والأسلوبية،وخصام مع النقاد، وطه حسين والتراث، وصوت الشاعر القديم، والوجه الغائب، واللغة والبلاغة والميلاد الجديد، واللغة والتفسير والتواصل.

    2- طبيعة الكتاب:

    يندرج كتاب" قراءة ثانية لشعرنا القديم" للدكتور مصطفى ناصف ضمن الدراسات النقدية الأدبية النصية التطبيقية التي تحاول قراءة الشعر الجاهلي من خلال التصور الأسطوري الأنتروبولوجي مستندا إلى اللاشعور الجمعي لدى كارل يونغ على غرار الدراسات الأدبية والنقدية الأخرى التي درست الشعر الجاهلي على ضوء المناهج الحديثة والمعاصرة(المنهج الاجتماعي، والأسطوري، والبنيوي، والتوثيقي، والفني ، والجمالي، و التاريخي،و النفسي، والفلسفي ، والتأويلي، والتفكيكي، والسيميائي،....) على غرار كتاب" في الشعر الجاهلي" لطه حسين "، و " قراءة جديدة لشعرنا القديم" لصلاح عبد الصبور، وكتاب"المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها" للدكتور عبد الله الطيب، و"المعلقة العربية الأولى أو عند جذور التاريخ" للدكتور محمد نجيب البهبيتي، و"العصر الجاهلي" للدكتور شوقي ضيف،و"الصورة الفنية في الشعر الجاهلي في ضوء النقد الحديث" للدكتور نصرت عبد الرحمن، و" مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية" للدكتور ناصر الدين الأسد،و" نحو منهج بنيوي لتحليل للشعر الجاهلي (الرؤية الشبقية)" و" الرؤى المقنعة نحو منهج بنيوي في دراسة الشعر الجاهلي " للدكتور كمال أبوديب، و"المنهج الأسطوري في تفسير الشعر الجاهلي" لعبد الفتاح محمد أحمد، و"عناصر الوحدة والربط في الشعر الجاهلي" للدكتور سعيد الأيوبي، و"المدخل إلى الأدب الجاهلي" للدكتور إحسان سركيس، و"الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي" ليوسف خليف، و"مقالات في الشعر الجاهلي" ليوسف اليوسف، و" الخطاب الإبداعي الجاهلي والصورة الفنية" لعبد الإله الصائغ، و" الرحلة في القصيدة الجاهلية" لوهب رومية، و" الشعر الجاهلي" لمحمد النويهي، و" مقدمة القصيدة العربية في الشعر الجاهلي" للدكتور حسين عطوان، و" في النقد الجمالي ، رؤية في الشعر الجاهلي" للدكتور أحمد محمود خليل، و" الفضاء المتخيل في الشعر الجاهلي" لرشيد نظيف، و" الأصول الفنية للشعر" للدكتور سعد إسماعيل شلبي، و" خصوبة القصيدة الجاهلية ومعانيها المتجددة" لمحمد صادق حسن عبد الله، و" دراسات في الشعر الجاهلي" ليوسف خليف،و" الشعر الجاهلي" للدكتور محمد عبد المنعم خفاجي، و" الشعر الجاهلي خصائصه وفنونه" للدكتور يحيى الجبوري،و" الشعر الجاهلي قضاياه الفنية والموضوعية" للدكتور إبراهيم عبد الرحمن محمد...
    ويستند كتاب مصطفى ناصف" قراءة ثانية لشعرنا القديم" إلى المنهج الأنتروبولوجي الأسطوري الذي يبحث عن الثوابت العقلية اللاشعورية للمجتمعات وخاصة غير المتحضرة ورصد الثوابت المشتركة من المشاعر والشعائر والطقوس والعادات والعقائد التي تتكرر ثقافيا واجتماعيا عند المبدعين والفنانين والتي تعبر عن الرغبات اللاواعية لكل فرد داخل المجتمع الإنساني. ويضم الكتاب مائة وسبع و ثمانين صفحة من الحجم الكبير ومقدمة وثمانية فصول. ومن المرجح أن تكون هذه الفصول مقالات نشرت في مواقع صحفية ومنابر ثقافية متفرقة، ثم جمعت في شكل كتاب تولت دار الأندلس ببيروت اللبنانية طبعه ونشره، ونحن في دراستنا التقويمية نعتمد الطبعة الثانية لسنة 1981م.



    3- القضايا النقدية في الكتاب:

    ينطلق الدكتور مصطفى ناصف في مقدمة كتابه " قراءة ثانية لشعرنا القديم" من فرضية أساسية وهي أن الأدب العربي قبل الإسلام لم يقرأ قراءة حسنة كما أثبت ذلك عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين مرارا وتكرارا ، وذلك لعدة موانع تحول دون قراءته قراءة واعية ممتازة . وتتمثل هذه الموانع في الحواجز العقلية والنفسية. وكتابنا هذا يهدف إلى إعادة النظر في الشعر العربي القديم الذي اتهم بأنه ناتج عن" عقل مادي قاس رتيب لايتجاوز المحسوس ولا يعلو على العلاقات الفردية، ولا يستطيع أن يحيط بالأشياء من حيث هي كل. همه محصور في أن يتعلق بجزء من الأجزاء ينكب عليه دون ملل. ثقافته محدودة، وتطلعه الفلسفي سطحي يسير" .
    وينطلق مصطفى ناصف من فلسفة الشك على غرار طه حسين في كتابه " في الشعر الجاهلي" قصد الوصول إلى اليقين وذلك بالتشكيك في كل المسلمات والثوابت التي التصقت بالشعر العربي القديم قبل الإسلام. وهذا المنطلق المنهجي نجد مرتكزاته النظرية لدى الفيلسوف العربي المسلم الغزالي والفيلسوف الفرنسي ديكارت. كما أن القراءة تختلف من عصر إلى آخر ومن شخص إلى آخر ومن مكان إلى آخر. لذلك فقراءة مصطفى ناصف ستكون قراءة جديدة همها الاستكشاف والاستنباط والاستقراء والانطلاق من مجموعة من الفرضيات قصد البرهنة عليها وعدم التسلم بالمعطيات الثابتة والأحكام الجاهزة عن الشعر الجاهلي.

    أ‌-الفصل الأول: الإحساس بالتراث:

    يرى الدكتور مصطفى ناصف أن الأدب العربي القديم - يقصد به الأدب الجاهلي- يتميز بصفائه ونقائه لكونه بقي بعيدا عن المؤثرات الفارسية واليونانية والهندية. ووصلنا هذا الأدب ناضجا ومكتملا وثابتا بأصوله الفنية التي صارت فيما بعد قواعد للكتابة الشعرية والإبداعية بعدما أن نزل القران الكريم بلغة هذا الأدب الرائع في شعريته وكتابته النثرية. وقد عمل القرآن على تهذيب لغة الشعر الجاهلي وتنقيتها وصقل بيانها وتطعيمها بألفاظ دينية وروحية. وقد حارب النقاد القدماء الشعراء المحدثين الذين يريدون أن يتمردوا عن بنية القصيدة الجاهلية التي صارت معيارا للاحتذاء والتقليد بعمودها الأصيل الذي يثبت مجموعة من القواعد الدلالية والفنية التي لا ينبغي الخروج عنها كما أسهب في شرحها المرزوقي في مقدمة ديوان الحماسة لأبي تمام. ويشكل هذا العمود الشعري الأساس الحقيقي لكل شعرية عربية على غرار القران الكريم والسنة النبوية اللذين يمثلان مصدرين أساسيين للتشريع والعمل.
    ولقد واكب النقد الكلاسيكي تطور الشعر العربي من خلال مدارسة الشعر القديم والحديث من خلال ربط الماضي بالحاضر ومقارنة القيم القديمة والجديدة والبحث عن مواطن التقليد والتجديد. واعتبر الشعر الجاهلي مصدرا ومنبعا للشعر العربي قاطبة، ودرعا واقيا صامدا في وجه التيارات الثقافية والحضارية القادمة إلى ساحة الفكر العربي وإبداعه ضمن حركية المثاقفة و جدلية الاحتكاك الثقافي و الحوار الحضاري بين الشعوب.
    وقد ناقش مصطفى ناصف ماذهبت إليه مدرسة الديوان إبان عصر النهضة مع عباس محمود العقاد وعبد الرحمن شكري وعبد القادر المازني التي كانت تنطلق في فلسفتها من التوجه الرومانتيكي الغربي معتمدة على الحرية وتقديس الذات الفردية والتغني بالبطولة الفردية و الحرية القومية. وكانت لا تعد بشعر لايعكس ذات صاحبه وجوانيته الداخلية ومشاعره الباطنية . أي إن الشعر عند مدرسة الديوان هو شعر الشخصية والوجدان والشعور الداخلي والإحساس بالجمال النابع من الروح. وبما أن شعر شوقي كان شعرا غيريا ولا يعكس روحه الشخصية وحياته الفردية، فقد هاجمه العقاد هجوما عنيفا ونفى عنه إمارته الشعرية من خلال نقد ه لقصيدة "الربيع" التي اعتبرها العقاد قصيدة سطحية لاروح فيها ولا معنى. وهذا الصراع في الحقيقة ما هو إلا صراع مذهبي وفني ، صراع بين مدرستين أدبيتين : المدرسة الكلاسيكية التي كانت تهتم كثيرا بالغير والآخر، والمدرسة الرومانسية التي كانت تؤمن بالفرد والقلب والعاطفة والطبيعة والحرية الإنسانية.
    وعليه، فإن مدرسة الديوان تقصي الماضي الشعري و الإبداع التراثي، لأن الأدب القديم صار عاجزا وقاصرا عن العطاء والتجديد بالمقارنة مع الحاضر الذي يتطلع إلى الإبداع والحداثة الشعرية اعتمادا على مقاييس الشخصية والذات والروح الفردية. وعندما عاد زعماء الديوان إلى التراث الشعري القديم لنقده وغربلته، فإن همهم الوحيد هو البحث عن القمم الفردية التي تغنت بشعر الشخصية والحرية الذاتية و خاصية التحول كما فعل أبو نواس الذي ثار على بنية القصيدة الجاهلية التقليدية وابن الرومي الذي عبر كثيرا عن ذاته الشخصية المتأزمة. وأبعد هؤلاء النقاد كل شعر يلتزم بالقبيلة والتغني بالروح الجماعية واعتبروه شعرا رديئا غير مطبوع فيه صنعة وتكلف. ويعني هذا أن كل شعر غير ذاتي يقصى ويعد مصنوعا لاقيمة له ولا جدوى منه مادام لايعكس شخصية الشاعر وفرديته الوجودية وكينونته الداخلية. وهذا المقياس يخالف ما كان يعتمد عليه النقاد القدامى الذين كانوا يحتكمون إلى المقاييس الفنية والجمالية وليس إلى مقاييس الذات والجماعة، لذالك عد أبو نواس شاعرا عاديا ضمن المنظور الفني على الرغم من محاولته للخروج عن عمود الشعر العربي الذي بقي وفيا وأسيرا لمعاييره وأصوله الفنية الثابتة. ويعني هذا أن النقاد القدامى اهتموا بالشعر بدلا من الشاعر كما تؤمن بذلك مدرسة الديوان التي تسعى جاهدة للبحث عن ما هو شخصي وفردي في التراث الشعري القديم. بيد أن هذه المدرسة لم تجد ماكانت تبحث عنه من تجارب شعرية فردية بالمفهوم الرومانسي الغربي؛ لذلك تجاوزت الماضي نحو الحاضر وأدارت الظهر له. ويقول مصطفى ناصف في هذا الصدد:" إن الأستاذ العقاد لم يستطع- وسط همومه الثقافية المتزايدة- أن يشعر بأن الأدب العربي فيه كثير من أهوائه التي تتركز في عبادة الإنسان وعبادة حياته، فعبادة الإنسان عبارة موجزة تنفع في الإيماء إلى تفصيلات كثيرة إذا حللت. والأستاذ العقاد مشغول بهذه النزعة، وكل أقواله في دنيا الأدب والنقد إنما أراد بها أن يحيي فكرة الإنسان الباحث عن التجربة، المتلذذ بالوعي، الشاعر بالانتصار، الذي ينسخ كل ماعداه، الذي يأخذ من كل شيء آخر ما سلبه بلاحق. الإنسان الذي يسترد مملكته من أيدي الغيب. ومن ثم كان على التراث – في نظره- أن يستجيب لما أراد. وقد لقف قليل من الباحثين هذا التيار وبحثوا عن أصدائه في مجالات أخرى غير الشعر العربي، ووقر في أنفس الناس رأي العقاد حين يجعل القيمة صنوا لهذا النوع من التفكير، مما عداه في عالم الشعر العربي، وكل شعر آخر، كثير. فيلقى هذا الشعر في النار وقد كتبت عليه عبارة الشعر المصنوع." .

    ب‌-الفصل الثاني: حلم المستقبل:

    يقر مصطفى ناصف بأن دراسة الأدب الجاهلي عمل ممتع، وأن هذا الأدب كان له تأثير كبير على باقي الآداب العربية الأخرى. ويعني هذا أن الأدب العربي مر بعصور عدة: جاهلي، وإسلامي، وأموي، وعباسي، إلى عصرنا الحديث والمعاصر. ويعد الأدب الجاهلي المصدر والمنبع الوحيد للأدب العربي. وقد تفاعل الأدب العربي مع ظروفه وعصوره، وكانت له كثير من صفات العراقة والثبات والأصالة. وإن أوائل الأدب العربي شكلت أواخره. والمقصود بهذا أن الأدب الجاهلي بلغنا ناضجا ومكتملا في كل مقوماته المضمونية والفنية والجمالية، بداية ناضجة شكلت منطلقا للشعر العربي ومنبعا بؤريا تنصهر فيه كل الآداب تناصا وتضمينا واقتباسا. ومن ثم، فالأدب العربي مدين في جوهره للأدب الجاهلي. ولفهم هذا الشعر لابد من ربطه بثقافة الشاعر وعقله الباطني وعصره الاجتماعي. وينبغي أن يدرس لا كظواهر فردية بل كظواهر جماعية وثقافية وحضارية. وقد رفض الدكتور مصطفى ناصف كثيرا من الأحكام التي ارتبطت بالشعر الجاهلي كالبداوة والفقر والجدب والحسية والمادية والأمية والتناحر والصراع والتخلف والفكر التجزيئي وتعدد أغراض الشعر الجاهلي وافتقاره للوحدة الموضوعية والترابط العضوي... بل اعتبره شعرا رائعا لا يمكن التقليل من قيمته، وأنه خير وثيقة عن فلسفة التاريخ والإنسان في صراعه الأنطولوجي مع الزمن والقدر والمصير والحياة والموت. كما أنه شعر مترابط ومتسق ويحمل أبعادا تجريدية رمزية إذا تعاملنا مع قضايا الشعر الجاهلي كأنماط أسطورية وأنتروبولوجية، ولا ننسى كذلك براعة شعراء الجاهليين في تصوير الأشياء براعة خارقة .
    و يعبر هذا الشعر بكل صدق عن الازدهار الاقتصادي والاجتماعي والأدبي والسياسي الذي يتمثل في وحدة السلطة المركزية التي تتجسد في عاصمة الجزيرة العربية ألا وهي مكة. كما استبعد الباحث أن يكون مصطلح الأمية بمفهوم الجهل والتخلف الثقافي وانعدام الكتابة. فالكلمة تدل على سرعة الغضب والثورة والتمرد. وبالتالي، فهو مصطلح إسلامي أتى ليدل على المفاهيم السابقة التي تعاكس مضامين الرسالة السماوية التي تدعو إلى التمسك بأمهات الأخلاق والفضائل النبيلة.
    إن مصطفى ناصف يفند جملة وتفصيلا ماذهب إليه الباحثون المعاصرون الذين ربطوا الشعر الجاهلي بالصحراء والبداوة والاستطراد والانتقال من فكرة إلى أخرى دون رابطة واضحة ناهيك عن سذاجة هذا الشعر وواقعيته وبساطته وسطحية أفكاره وعدم تعمق الأشياء. إنها "صورة هزيلة شاحبة، فالشعر الجاهلي شعر حسي غليظ يعنى بوصف المحسوسات التي يراها الشعراء أمامهم في الصحراء المفتوحة. وليس فيه- لذلك- أثر من آثار الفكر والعقل. أما إذا وجدنا شيئا نسميه الحكمة فهو لايعدو أن يكون تعبيرا عن خبرة الأيام المباشرة التي لا تحتاج إلى ثقافة. وسوف تكون كل دراسة تجري على هذا المنوال – يقول مصطفى ناصف- ضربا من التكرار غير المفيد، وسوف تكون غير مستقيمة أيضا، لأن حياة العصر القديم أعمق مما يجري على أقلامنا حتى الآن؛ وقد شهد هذا العصر صراعا روحيا قويا لم يقدر تقديرا ملائما. وإن نشأة الإسلام العظيم في نهاية هذا العصر لا يمكن أن نهون من دلالتها ومغزاها. إنها تعني – بكل اختصار- أننا أمام عصر يضطرم فيه القلق ويبلغ ذروته. إننا أمام مجتمع تشغله أسئلة أساسية شاقة عن مبدإ الإنسان ومنتهاه ومصيره وشقائه وعلاقته بالكون. ولكننا ننسى- كثيرا- أن ظهور الإسلام في ذاته علامة على وجود مستوى من القلق في نواحي الحياة عامة، ونظل عاكفين على فكرة الجاهلية الحمقاء. وكيف يمكن أن نفهم مكانة القرآن الكريم بطريقة منطقية مقنعة إذا دأبنا على أن نجعل الشعر الجاهلي- دون تمييز- سطحيا قريبا واقعيا خاليا من أثر القلق والصراع والنضج الأدبي".
    هكذا يصل الباحث إلى أن الشعر الجاهلي يطرح أسئلة ميتافيزيقية وأنطولوجية تتعدى دلالات الشعر السطحية إلى ماهو أعمق ومجرد فيه من خلال تفكيك رموزه المشفرة وعلاماته المسننة سيميائيا وأسطوريا. وبعد ذلك ينطلق الدارس من فرضية أساسية يشكك فيها وهي " النظرية المتداولة التي تزعم أن الشعر الجاهلي كان ساذجا بدويا لا غور له ثم انتقل حينما اختلط العرب بغيرهم من الأعاجم إلى طور أرقى. لنقل إن الشعر الجاهلي ينافس أي شعر آخر إذا أحسنا قراءته، ولو أحسنا قراءته لبدا أمامنا وافر الحظ من العمق والثراء".
    ينطلق مصطفى ناصف بعد فرشه النظري والنقدي والتاريخي إلى دراسة الأطلال نصيا وتطبيقيا من خلال استحضار معلقتي زهير بن أبي سلمى ولبيد بن ربيعة معتمدا على نظرية كارل يونغ في تأويل القصيدتين وتفسيرهما ليصل بعد ذلك إلى أن الأطلال ظاهرة جماعية وليس فردية ، أي تعبر عن الأنماط العليا الثابتة الراسخة في العقل الباطن واللاشعور الجماعي. والمقصود من ذلك أن ظاهرة الأطلال تجربة فنية قائمة على التكرار واستعادة الماضي الموروث في شكل طقوس وشعائر جماعية، أو إنها صلاة جماعية لدى جميع الشعراء تعبر عن تقليد طقوسي راسخ لدى شعوب الجزيرة يصيغها الشاعر بطريقة رمزية وشعرية كمعادل موضوعي للواقع المادي. ومن ثم، فالأطلال التزام جماعي وظاهرة فنية طقوسية وعادة مشتركة بين جميع الشعراء. وبذلك يعبر الطلل عن صلة الماضي بالحاضر، والمكان المقترن بالطلل يمثل بؤرة انصهار الزمان. كما تشخص الأطلال علاقة الإنسان بالمكان والزمان وجوديا وقدريا على الرغم من أن هذه الأماكن ليست فردية ولا تجارب شخصية بل لها بعد جماعي طقوسي. وهكذا يقر مصطفى ناصف بأسطورية الطلل ضمن رؤيته المنهجية الأنتروبولوجية التي تتجاوز التحليل النفسي الفردي إلى سيكولوجية اللاشعور الجماعي الذي يحيل على فطرية الإنسان وثوابته المتعالية المخزنة في لاشعوره ، والمترسبة في عقله الباطن، و ليس هذا "الفن- إذاً- ضربا من الشعور الفردي الذي يعول في شرحه على بعض الظروف الخاصة بشاعر من الشعراء. وإنما نحن بإزاء ضرب من الطقوس أو الشعائر التي يؤديها المجتمع أو تصدر عن عقل جماعي، إن صح التعبير، لا عن عقل فردي أو حالة ذاتية. والحق أن الشعر الجاهلي- كله- يوشك أن يكون على هذا النحو، بمعنى أن مراميه فوق ذوات الشعراء. وهناك إذاً قدر من المشاعر والأفكار التي يسهم في بنائها كل شاعر كبير. والذي يلفت النظر هو أن فن الأطلال كغيره من فنون الشعر العربي في العصر الجاهلي ينبع من إلزام اجتماعي؛ فالشاعر من حيث هو فنان يوشك أن يكون ملتزما، ويأتيه هذا الالتزام من ارتباط غامض بحاجات المجتمع العليا، وكل نابغة في العصر القديم يشعر أن المجتمع يوجه أفكاره إلى حيث يريد. ولذلك يجب ألا يغيب عن الذهن أن الأطلال- والشعر الجاهلي كله- يثير التأمل في معنى الانتماء وسلطان اللاشعور الجمعي؛ فالشاعر الجاهلي لا يتصور الفن عملا فرديا بل يتصوره نوعا من النبوغ في تمثل أحلام المجتمع ومخاوفه وآماله".
    وترتبط بالأطلال فكرة الظعائن التي تشكل لحمة تناسلية وراثية مع البنية السابقة" والذي يبدو أن الظعائن بالنسبة للطلل مثل الذرية بالنسبة للأم. ومن أجل ذلك يصبح الطلل كالأم الولود التي لا يجف خصبها. وهذا الخصب ذو صور متعددة متحركة وساكنة، كالحروف والنقوش والظباء والنساء. ويبدو الطلل كأنه منبت ثقافة؛ منبت الوعي وإدراك الماضي في مضيه واستمراره معا، منبت الحاجة إلى تثبيت مركز الإنسان وسط الوجود عن طريق الكتابة. منبت إدراك قوة الخلق التي يمكن أن يتمتع بها الطلل: الطلل هو النبع الثر الذي ولد الظعائن. والظعائن نساء لا يراهن المرء، شخوصهن مخبأة خلف الأنماط والأستار. ولكن الشاعر يبحث عنهن وقد سرين في أنحاء الجزيرة ينشرن ما يشبه الود والسلام. ومن ثم تكاد تلك الظعائن تنافس فكرة الأطلال ذاتها. وغالبا ما تسير الظعائن محفوفة بما يشبه الجلال. ولكنها محفوفة أيضا بما يشبه الغموض".

    إذاًً، ترتبط الأطلال في الشعر الجاهلي بالظعائن والوشم والكتابة والبحر وركوب السفن والطير والنخيل واللعب. وتخيل الظعائن في سفن ضرب من الرؤى الجماعية التي تعبر عن مخاوف الجماعة وآمالها حين تفكر في الانتقال من مرحلة إلى مرحلة عمرية وحضارية أخرى في الحياة، فالسفن سيكولوجيا تعبر عن الرغبات اللاواعية الموجودة لدى الإنسان والتي يتقاسمها مع الجماعة البشرية. أما " الهوادج المغطاة بالثياب الجديدة المنقوشة فهي حجب تحول دون التطلع إلى الظعائن ليصبحن أقرب إلى الأسرار، فالثياب من حيث هي زينة تشغل بجمالها أو كرمها أو رقتها كما يقول الشراح أحيانا ولكننا ما تلبث أن نفطن إلى حقيقتها فهي حجب مانعة من ملابسة السر والاقتراب منه."
    وترتبط الظعائن بالطير فحين " تخف الطير بالظعائن وتضربها لأنها تحسبها لحما كما يقول الشراح، يرى الدكتور ناصف أن للصورة أغوارا بعيدة، ومناوشة الطير لا تخلو من بعض المخاوف والوساوس، فالثياب غريبة لأنها مصنوعة من الدم وفكرة الظعائن لا تتصور بمعزل عن القتال وإرادة التغيير التي تناوش عقلية الشاعر"

    ج- الفصل الثالث: البطل:

    يمتاز الشعر الجاهلي على عكس نظر كثير من الدارسين بترابط مواضيعه وأغراضه وأجزائه إذا أحسنا قراءة هذا الشعر. وبالتالي، ينفي مصطفى ناصف فكرة تعدد الأغراض وتفكك القصيدة التقليدية ويعترف بالوحدة الموضوعية والعضوية التي يتسم بها هذا الشعر.
    وينتقل الدارس من فكرة الطلل إلى الفرس ليبين بأن معظم الشعراء الجاهليين وصفوا الفرس ولاسيما طفيل الغنوي الذي يلقب باسم طفيل الخيل لأنه أجاد في وصف الفرس ،وسلامة بن جندل السعدي في بائيته وهو من فرسان العرب المذكورين فقد أحسن أيضا في وصف الفرس وربطه بصورة الماء كثيرا. ولكن يبقى فريس امرئ القيس أكثر الأفراس شهرة في الأدب العربي وخاصة في معلقته اللامية التي يقول فيها:

    وقد أغتدي والطير في وكناتهـا
    بـمنجرد قيـد الأوابـد هيكـل
    مكر مفر مقبل مدبــر معـا
    كجلمود صخر حطه السيل من عل
    لقد علم امرؤ القيس الناس كيف يصفون الفرس ويتحدثون عنه. وقد أصبح وصفه مرجعا لجميع الشعراء العرب. وارتبط الفرس عند هذا الشاعر بالسيل والسرعة والجمال الخارق والمطر المغيث،وبذلك صار هذا الفرس خالدا في ذاكرة الشعراء اقتباسا وتناصا وتقليدا .
    و لايمكن فصل هذه المواضيع( الفرس والسيل والمطر) في الشعر الجاهلي مهما تعددت أغراضه . ويتخذ الفرس بدلالاته الرمزية في اللاشعور الجمعي طابعا أسطوريا وطقوسيا؛ لأن الفرس يرتبط في الذاكرة الجماعية والشعرية بالخير والقوة والعطاء. ويتحول قبح الفرس حينما تسيل منه الدماء إلى جمال عندما يزين الفرس بالحناء تصويرا وتشبيها، مما يضفي على الفرس بعدا جماليا. وهذا القبح الجميل موجود بكثرة في الشعر العباسي عند مسلم بن الوليد وبشار بن برد.
    ويتجلى البعد الأسطوري على مستوى الفرس /الرمز في كونه يتخذ طابعا إنسانيا إحيائيا عير مجموعة من السمات كالقوة والشجاعة والكرم والعطاء والإلهام والحيوية والنشاط. ويملك الفرس هنا قدرات جنية وصوفية وباطنية كما يتبين واضحا في لامية الشاعر الجاهلي المزرد بن ضرار الذبياني الذي أسبغ على فرسه فضائل خيالية جعلت من الفرس كائنا مقدسا ،و بمثابة قائد ومعلم عظيم يمهد للناس الطريق. و" الفرس- ذلك الإنسان الكامل- صورة لما يتشبث به الشاعر أملا في المستقبل ورغبة في قدر أتم من المناعة والحصانة. إن صورة الفرس هي صورة الرجل النبيل الذي ملأته العزة والثقة...والحقيقة أن الدور الإنساني للفرس دور واضح، ويبدو للقارئ أن الفرس يستطيع بمميزاته البدنية والسلوكية أن يكشف الأمور، ويرتاد المجاهل، ويأخذ وظيفة الرائد الذي يتقدم غيره من الناس؛ فالفرس لكرمه وإصراره على أن يبذل ذات نفسه أصبح خليقا بأن يأخذ صفة السلطة ويمسك زمام الأمور. ولا يمل القارئ من الإعجاب بصورة( حيوان) يجاهد في سبيل إسعاد البشر. ومن ثم كان صوت الفرس صوتا كريما مسموعا لأنه يضيء الطريق أمام الناس. بل إن ما يسمى الذعر أو الجنون قريب من النذر وإحساس من يضيء الطريق بمخاطر الظلام.".

    د- الفصل الرابع:الناقة الأم:

    كثير من الشعراء وصفوا الناقة وربطوها بالأطلال والرحلة والصيد، ولكن مصطفى ناصف ينظر إليها بمنظار أنتروبولوجي إذ يعتبرها ظاهرة جماعية رمزية موروثة في العقل الباطن للإنسان العربي في امتداد طفولته البدائية والفطرية والحضارية. ومن هنا فالشاعر الجاهلي يفكر في ذات المجتمع أكثر مما يفكر في ذاته الفردية. وهناك الكثير من الشعراء الفحول والمجودين الذين أحسنوا وصف الناقة. ومن النماذج التي نذكرها في هذا المجال قصيدة ثعلبة بن صعير بن خزاعي المازني التي يقول فيها:

    وإذا خليلك لم يدم لك وصلـــه فاقطع لبانته بحرف ضامــــــر

    وتعبر الناقة عن مظهر النمو العقلي والروحي في الشعر الجاهلي.والناقة ماهي إلا تعبير عن فكرة الثبات والقهر والصمود بسبب قوة الناقة وصبرها وتحديها لعوادي الزمن والطبيعة. وقد بذل الشعراء مجهودا كبير في استقصاء قدسية الناقة الأم عبر رصد المشبهات والصور الشعرية لتجسيد أمومتها وطابعها القدسي عند العرب. وإذا كان الفرس أشبه بالأبوة عند العرب فالناقة أشبه الأشياء بالأمومة القوية. لذلك اقترنت بالنخلة في أذهان العرب. إنها أمومة صابرة قادرة راغبة يطبعها استمرار الحياة. كما تدل الناقة الأم على السيادة والجمال والذرية والخصوبة وهي أشبه بحاضر مستمر لا يتغير ولا يزول. ومن ثم تتمتع الناقة بالقوة الخيالية فوق البشرية. وتحضر الناقة بمثابة مفتاح للبركة والخير والرحمة ، بينما يوظفها زهير بن أبي سلمى كمفتاح للعذاب والعقاب من خلال استحضار صورة ناقة صالح. إذاً، عندما تقترن الناقة بالحمار الوحشي تصبح رمزا للصراع والحروب ، وهي أيضا رمز للهموم المقلقة عند المثقب العبدي، ورمز للعمل والحركة الدائبة عند ابن الطبيب في لاميته المشهورة. كما تعبر الناقة عن فكرة المحاولة والعمل المتلاحق.
    وينكر مصطفى ناصف" فرضية الاستطراد في قصة الناقة، وصلتها بثور الوحش أو الحمار الوحشي أو الظليم، فهو يرى أن الصورة التي تتداعى في ذهن الشاعر إنما هي جزء من طقوس جليلة مقدسة.
    وفي نهاية حديثه عن الناقة من خلال سينية امرئ القيس يرى الدكتور ناصف أنه ليس هناك شك إذا نظرنا في أساطير العرب في العصر الجاهلي، في أن الناقة لم تكن مجرد حيوان، فالعالم أو المتحضر قد ينظر بعقله ولكن الشعراء خاصة يحتضنون الأشياء بخيالهم وحواسهم، يعني أن الناقة كانت حيوانا مقدسا في بعض الأحيان".
    إن الناقة في الشعر الجاهلي لتعبير حقيقي عن الصراع المأساوي والتوتر الدرامي الذي يعيشه الإنسان في فترة ما قبل الإسلام بعد أن فقد الإنسان الكلية المطلقة و الوحدة الملحمية ليعيش التمزق الذاتي والموضوعي ويعرف وجوده انشطارا بين الإنسان والواقع بكل أبعاده المادية والميتافيزيقية والروحية.

    هـ - الفصل الخامس: الأرض الظامئة:

    بدأت صورة المطر في الشعر العربي مع امرئ القيس ، إلا أنها ستعمق وتحور مع الشعراء الآخرين. ويأخذ هذا التحوير صفة النمو. وقد كان مطر امرئ القيس من أكثر الأشياء جاذبية في الشعر العربي. وقد ارتبط المطر بفكرة الراهب المقدس وبفكرة الكرم والنبل والثغر العذب عند عنترة بن شداد وبالناقة عند سبيع بن الخطيم التيمي في فائيته:

    بانت صدوف فقلبه مخطــــوف ونأت بجانبها عليك صـــــــدوف

    وقد أكد مصطفى ناصف وحدة هذه القصيدة وترابطها البنيوي اتساقا وانسجاما، كما أكد ترابط صورة الناقة بصورة المطر "فبينهما علاقة وتبادل غريب. ولذلك يمكن أن يقال أولا إن الشعر الجاهلي إيقاع واحد. حقا إن فيه نغمات داخلية متنوعة، ولكن هذه النغمات تصنع إيقاعا واحدا. هذا واضح من حيث المبدأ، أما من حيث التطبيق فنحن نجد... الناقة تضطرب في سيرها وتقدم كل نفسها بحثا عن المطر، فالفكرتان متوائمتان متزاوجتان( فكرة المطر وفكرة الناقة). ومن الممكن أن يتأمل القارئ رحلة الناقة- على الدوام- حتى يسقط المطر، وما أشبه شئون الناقة بفكرة الطقوس أو الفرائض التي تعين على الصلة بذلك المطر."
    و يجسد لنا هذا الفصل ظمأ الأرض إلى المطر وخصوبته المعطاء من خلال جدلية الماء والناقة المقدسة.

    و- الفصل السادس:نحو مبدإٍ عظيم

    في هذا الفصل ينطلق الناقد من قصيدة الشاعر الحادرة في عينيته التي مطلعها:

    بكرت سمية بكـــرة فتمتـــع وغدت غــدو مفارق لم يربــــع

    إن هذه القصيدة معدودة من مختار الشعر. بدأها الشاعر الحادرة بالغزل والنسيب، ثم انتقل بعد ذلك إلى الفخر بالوفاء والنجدة ومعاناة الحروب، وحفظ الذمار، ويذكر الخمر ومجلسها، وتجشمه الأسفار، و ينهيها بوصف الناقة. وهذه القصيدة مازالت تثير إشكاليات وصعوبات في القراءة. وحينما" نقرأ القصيدة أكثر من مرة نواجه – يقول مصطفى ناصف- موقفا صعبا. وإنني أصدقك الحديث حين أقول إن شروح القدماء وما يشبهها غير كافية. وقد تكون لدى الحادرة تجارب خاصة. وقد يكون هناك ما نسميه باسم الصدق. ولكن هذه التجارب في صورتها الساذجة التي نقدمها عن القصائد خليقة بالشك. والناس يعنون بالشعر من أجل أشياء أولى وآثر من الشواغل الفردية والتجارب التي يولع بها المحروم والجائع."
    و يبدو من خلال القصيدة أن الظاهرة الشعرية ليست فردية بل ظاهرة جماعية. إذ تحضر سمية في النص رمزا من رموز الذاكرة الجماعية. فالمرأة ( سمية) ترتبط بصورة الجلال والجمال والغزال والسحاب الممطر المخصب. ومن ثم، تتحول سمية إلى رمز من رموز المديح لتعلقها على الخصوص بفكرة الغزال. ويعني هذا أن قصيدة الحادرة تحمل معاني أنتروبولوجية وأسطورية رمزية عميقة ومعاني سطحية ظاهرة للناس. أي إن للقصيدة الجاهلية مستويين: مستوى ظاهري يقدم لعامة الناس ومستوى باطني ينبغي تأويله رمزيا وأسطوريا من أجل ستخلاص الثوابت المتعالية المشتركة بين جميع الناس في أشكال شعائر وفروض طقوسية.
    إن سمية رمز طقوسي جماعي يحيل على انجذاب الحياة وسريان فكرة الجمال. وترخيم سمية خير دليل على قدسية سمية وعظمتها الخارقة التي تتمظهر في الازدواج الجنسي: سمية الأنثى وسمية الذكر، وهذه المفارقة مقبولة في التأويل الأنتروبولوجي.
    ويدل الفخر في القصيدة على السلوك الجماعي على مستوى المعاملات والشعائر المفروضة، كما يدل مقطع شرب الفتيان للخمرة على تمثلهم بشرب الآلهة ورغبتهم في إحياء فكرة البطل وتمثيلها، وحين" يتداخل شرب الخمر ودم الغزال في البيتين" من عاتق كدم الغزال مشعشع" فهناك محاولة بدائية لشرب الدم، دم الغزال، دم سمية، وبعبارة أخرى محاولة لتقمص روحها ولأخذ شيء من قوتها السحرية أو لنقل إن الخمر كانت دائما محاولة الإنسان أن يرتد إلى وعيه الباطن، أي وعي الشاعر الباطن بوجود سمية، ذلك المبدأ الذي يبحث عنه ليكون بمرأى من الحياة.
    ثم تأتي رحلة الحادرة لتشبه في رأي الدكتور ناصف شعيرة من شعائر البحث عن مبدأ في الصحراء بحث المعرض للتيه والضلال، ولكنه لا يقف وإنما يظل دائما تواقا إلى فكرة الحج باحثا عن حقيقة عن سمية، وفي ختام هذه الملاحظات يذكر الناقد بأن الفن العظيم يتميز بميزة خاصة فهو ينقل إلى كثيرين معنى سطحيا واضحا ويحفظ للقليلين بمجموعة أكمل من الأعماق وقد كانت هذه الثنائية وستظل سمة الفن العميق".

    ز- الفصل السابع: مشكلة المصير

    ينطلق الدارس في هذا الفصل من معلقة طرفة بن العبد الدالية:

    لخولــــة أطلال ببرقة ثهمــد تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد

    إن الطلل في هذه القصيدة عبارة عن حلم مستقبلي مصيري . والوشم محاولة الذهن أن يثبت مادة الحياة، ودحض لفكرة الزمن. وتحسد القصيدة صراع الطلل والوشم، وصراع الطلل والناقة، وصراع الخمر والطلل، وصراع الفخر والطلل. وتعكس الصور الشعرية المتضمنة في القصيدة غريزة البقاء والمعاناة من الخوف. وبذلك تتعارض في النص فكرة الكفر وفكرة الإيمان. وتصور القصيدة أيضا العجز عن المصالحة بين الغرائز المتضاربة. وتشبه ثورة طرفة على الناقة بثورة الإنسان على الصنم والطابو؛لأن الناقة مقدسة كالصنم في اللاشعور الجماعي.
    وتجسد الأبيات الشعرية التي تصور الناقة ذلك الصراع المرير والأنطولوجي" بين رغبة المجتمع في الإبقاء على الناقة ورغبة في عقرها. أما المجتمع فحريص على استقرار ما يتمتع به من فهم ولا يستطيع أن يواجه القيم التي يعيش عليها. وأما طرفة فيقف موقف التحدي من الشعور الديني السائد بين الناس، ولكن هذا التحدي يحمل طابع المأساة، طابع العجز والقدرة، طابع الإنسان المحدود والعقل غير المحدود. ومن أغرب الأشياء أن المجتمع- ممثلا في هذا الشيخ- يخشى مغبة عقر الناقة. ولابد أن تذكر ما ارتبط به هذا الحدث في بعض القصص.
    وليس من اليسير إذاًً أن يحمل هذا القول على الكرم والاستخفاف الشديد فحسب، فعقر الناقة يراد به استنزال اللعنة، ودعاء الموت، وتحدي الآلهة، والثورة على مافوق الطبيعة بطريقة تجمع بين الشعور العبقري والجنون الراغب في الانتحار." ومن ثم فالقصيدة تعبير عن فكرة المصير الإنساني، وتعكس تفكير" طرفة الشاب الذي يريد أن يتكشف فكرة المصير التي تطرق وجدان الشعوب- كما يقول شبنجلر- في بداية السلم الحضاري. هذه هي الشخصية القوية التي تحس وجودها على نحو قوي، ومن ثم تفكر في الموت. فالمصير لا يمثل إشكالا بالنسبة لضعيف الشخصية، أو لا يصل إلى جعل هذه الأفكار قضية بالنسبة له."

    ن- الفصل الثامن:الحاجة إلى الخوف:

    في الفصل الأخير، ينطلق الدارس من قصيدة النابغة الذبياني التي يستفتحها الشاعر بقوله:

    يادار ميــة بالعلياء فالســـند أقوت، وطال عليها سالف الأبــــد

    تعبر معلقة النابغة الذبياني عن الإحساس بالتفرد والوحشة والاغتراب الذاتي والمكاني. وهذا يوصلنا إلى أن الشاعر الجاهلي كان يعبر عن الإحساس بالشر والخوف. ويبدو" المجتمع عقبة في سبيل الوحشة الضرورية التي تؤدي إلى تنبيه الذات لكل ما لها من قدرات. وقد وجد الشاعر كل صوت سواه وحشة وعدما، وشعر من أجل ذلك بأنه في أعلى درجات الوعي والإحساس بمشقة الوجود.
    فالمجتمع إذاً خرب إلا أن يكون صوت الشاعر، يسائله ويحييه. وإذا سكت الشاعر بدا المجتمع كله فاقد المعنى. الشاعر يعطي الربع قدرة على النطق من ثنايا السياق. حقا إن ا لشاعر كالذي يلتمس أحيانا صوتا سواه".
    إن الشعر يفصح عن مخاوف الجماعة العربية وقلقها وتخوفها من مصيرها المحتوم. ومن هنا ذهب أرسطو قديما إلى أن الشعر أكثر فلسفة من التاريخ.
    وعليه ، فإن النابغة" يقول ضمنا إن حياة المجتمع العربي معرضة للشر، وهي الآن أشبه ما تكون بالأواري الذابلة والنؤي الذي لا يمنع السيل، والسجفين اللذين فقدا مالهما من شأن. هذه هي الوظائف المعطلة إن أعجبك هذا التعبير- ومن ثم فإن السيل الغامض خليق بأن يأتي على الحياة. لقد تتبعنا فيما مضى أحلام النبوءات الغامضة أو غير الغامضة ، ولكن من المهم قبل أن نختم هذه الصحف أن نشير إلى الجانب الثاني من الصورة فالآمال والرؤى الطيبة لا تعيش وحدها، وهناك دائما جدل وصراع بين بواعث التقدم وبواعث التقهقر. ولا يمكن أن تبحث شئون الثقافة بمعزل عن حركة الأضداد."
    وتتخذ الحيوانات في الشعر الجاهلي أبعادا إنسانية وصراعية تحيل على الحرب والتطهير. فقصة الثور والكلاب " أعانت المجتمع من حيث لا يدري على أن يشبع بعض حاجاته العاطفية من الحرب بطريقة خيالية وهمية. ولا شك أيضا في أن قصة الثور والكلاب كانت هي الدرس الأول الذي علم المجتمع الجاهلي كيف يشك في فلسفة الحرب المتداولة." كما تشير قصيدة النابغة الذبياني إلى "نزوع واضح إلى عالم بعيد عن المنطق والمعقولية والإنسان. والإنسان لا يتمتع في مثل هذا النزوع بكمال إنسانيته على نحو ما يتبادر إلينا الآن. ولكن الشاعر هو الذي استطاع أن يهب المجتمع الجاهلي مثل هذا التحذير الغامض. حذار من صورة النعمان. حذار من العدوان على فكرة الإنسان. حذار من اللبس بين فكرة الفضيلة وطبائع الشيطان. حذار من عالم لا يعرف الخوف أو لايرى للخوف مكانا في نظام الحياة.".
    وهكذا يتبين لنا أن الدكتور مصطفى ناصف تعامل مع الشعر الجاهلي من زاوية أنتروبولوجية أسطورية، إذ نظر إلى مجموعة من مكونات الشعر الجاهلي كرموز ومتعاليات جماعية مشتركة مترسبة في ذاكرة الإنسان العربي تؤرخ لمجتمعه وحضارته ، وتعبر عن ماضيه وحاضره ومستقبله بكل أتراحه وأفراحه. ومن ثم، يقدم لنا الدارس الشعر الجاهلي لا كموصوفات حسية ودوال سطحية ساذجة بل كرموز مجردة عميقة بعيدة عن الظاهر تتوغل في العقل الباطن واللاشعور الجمعي من خلال استقراء ماهو روحي وديني وطقوسي وشعائري.

    4-اللغة الواصفة:

    تمتاز اللغة الواصفة لدى الدكتور مصطفى ناصف بالرصانة العلمية و قوة الأسلوب والركون إلى الاستطراد والإطناب والإسهاب والتكرار؛ مما جعل الكثير من فصول الكتاب طويلة مملة جافة بأسلوبها التقريري المباشر الذي يخاطب العقل أكثر من مخاطبة القلب والوجدان. و لقد استعمل الكاتب اللغة الانطباعية القائمة على التفسير والتأويل بدلا من الاعتماد على التوثيق والبحث الأركيولوجي في التنقيب ونبش الذاكرة الإنسانية ؛ مما جعل دراسته ذاتية ذات أحكام إسقاطية شخصية تحتاج إلى حجج تاريخية واجتماعية ، كما أن مقالاته الأسطورية تخلو من العلمية الحقيقية الموضوعية.
    هذا، و قد زاوج الناقد بين الأسلوبين الاستقرائي والاستنباطي في الاستدلال على صحة الفرضيات وتبنى فلسفة الشك الديكارتي للوصول إلى اليقين. وقد شغل الناقد أيضا بعض المصطلحات العلمية التي تنتمي إلى السيكولوجيا والأنتروبولوجيا وحقل الأسطورة. وبالتالي، يتقاطع في الكتاب النص الإبداعي واللغة الواصفة العلمية القائمة على الشروح( الأصمعي والأنباري وابن الكلبي في كتاب الأصنام والزوزني والتبريزي...)، والتأويل الأسطوري الذي يبحث عن المتعاليات الاجتماعية المنمطة رمزيا. وتتنوع الشروح عند مصطفى ناصف إلى شروح لغوية وشروح فلسفية وشروح نفسية وشروح أسطورية وشروح دينية وشروح بلاغية. كما تتسم اللغة الوصفية عند الدارس بالخاصية التطبيقية حيث يورد النص الشعري لشاعر جاهلي ثم يبدأ في شرح النص وتأويل رموزه من خلال زاوية أسطورية قائمة على التأويل واستقراء ذاكرة المجتمع والتاريخ.

    5- المنهج النقدي في الكتاب:

    يطبق الدكتور مصطفى ناصف في كتابه" قراءة ثانية لشعرنا القديم" المنهج الأنتروبولوجي أو ما يسمى أيضا بالمنهج الأسطوري ؛لأنه منهج يدرس الأساطير والرموز الخيالية التي تكون بديلا وتعويضا لماهو واقعي ومادي، في حين تكون الرموز وسائط وعلامات بين الداخل الذاتي والواقع الخارجي الموضوعي ذي الأساس الواقعي /المادي. إذا ما هو المنهج النقدي الأنتروبولوجي؟ ومامرتكزاته؟ وماهي أهم النماذج النقدية الغربية والعربية ؟ وماهي مصطلحاته ومفاهيمه؟ وماهي سلبياته وإيجابياته؟ تلكم هي الأسئلة التي سنرصدها في الصفحات التالية.

    أ- مفهوم الأنتروبولجية والنقد الأسطوري:

    ظهرت الأنتروبولوجية كنظرية علمية في القرن التاسع عشر وكان يمثلها إدوارد تايلورEdward Taylor وفريزرJames G.Frazer، وكان هدفها تتبع بدايات الجنس البشري وتاريخه المبكر ودراسة لمورثاته الثقافية والطبيعية بأنواعها. أي تدرس هذه النظرية الإنسان في بداياته البدائية والفطرية وتطوراته اللاحقة ومعرفة كيف انتقلت الترسبات الإنسانية الأولى وراثيا من الأسلاف إلى الأحفاد عن طريق الأجداد والآباء على غرار قوانين وراثة العالم البيولوجي مندلMendel. كما تنصب الأنتروبولوجية على دراسة اللاشعور الجمعي والعقل الباطن وكيف تترسب كثير من العادات والمعارف البشرية المشتركة في ذهن الإنسان. وتدرس هذه النظرية الطقوس والعادات والديانات والشعائر والأساطير والثقافة والطبيعة والطابو والطوطم والسحر والشعوذة والفنون والآداب.... وقد استفادت النظرية من علوم عديدة كعلم النفس وعلم الاجتماع واللسانيات والبيولوجيا والفلسفة والتاريخ....
    ومن المعلوم أن الموروثات البشرية تتشكل في شكل رموز وعلامات اجتماعية" وتعرض للأفراد كأنها أحلام، وللمجتمع في أشكال حوادث تاريخية تؤثر في أغلب أبنائه تأثيرا موحدا، لأنها هي نفسها تتخذ أشكالا محددة أو أنماطا ثابتة من أنماط السلوك".
    ويرتبط هذا العلم الاجتماعي الجديد الذي يدرس الإنسان والوراثة الثقافية البشرية بالنقد الأسطوري المختص بدراسة العلاقة الموجودة بين اللاشعور الجمعي المشترك وتصورات الجنس البشري البدائية والأثر الأدبي. وتتمظهر هذه العلاقة في بنية الأساطير وهي عبارة عن رموز خيالية يخلقها المبدع ليكشف مشاعره الباطنية وأغوار النفس البشرية. وهذا الاتجاه النقدي الأسطوري تطور انطلاقا من الأنتروبولوجية الثقافية أو الطبيعية(كلود ليڤي شتراوس K.L.Strauss، وموكاروفسكي Mokarovsky،...) ، وفلسفة الأشكال الرمزية عند إرنست كاسيرر Ernest Cassirer الذي اعتبر الإنسان حيوانا رامزا، ونظرية اللاشعور الجمعي عند كارل يونغJung. .
    وإذا أردنا أن نعرف اللاشعور الجمعي الذي يعد خزانا للرواسب الثقافية البشرية البدائية، فإننا نعرفه بأنه عبارة" عن صور ابتدائية لا شعورية أو رواسب نفسية مختلفة لتجارب ابتدائية لا شعورية أسهم في تركها أسلاف العصور البدائية وورثت – بطريق ما- في أنسجة الدماغ، ويتم التعبير عن الوقائع العصرية في حياة أي مجتمع عن طريق ربطه بهذه النماذج، إذ لابد أن يعرف الجديد بالقديم على أساس أن الجديد غامض غريب والقديم واضح مألوف". ويعني هذا أن مجموعة من النماذج العليا البدائية ترد عند الأفراد المعاصرين وخاصة الفنانين والمبدعين في قصائدهم الشعرية وأعمالهم الفنية في شكل رواسب رمزية وحلمية وخيالية تختفي داخل النص عبر الصور الشعرية والفنية لتخلق عالما من الرموز الأسطورية التي تذكر الإنسان الحاضر بماضيه. وهذا يؤكد ترابط الحاضر بالماضي وارتباط الإنسان المعاصر ثقافيا وطبيعيا بالإنسان البدائي الأول. فكل القوالب الفنية المتكررة والمطردة تدل على هذا الترابط اللاشعوري بين الناس . و تتحول هذه النماذج العليا المشتركة إلى رموز جماعية إنسانية تتجاوز الظاهر والزمان والفضاءات المكانية الضيقة لتصبح كل الدوال والعلامات ظواهر جماعية مشتركة متعالية تتجاوز الزمان والمكان بطريقة ميتافيزيقية. وهذا يبين لنا بأن الإنسان يخلق وهو مزود بقدرات عقلية بدائية فطرية تذكره دائما بولادته الأولى و بأجداده وآبائه وما يشترك معهم من مميزات ثقافية وطبيعية. ومن ثم، فالثقافة لها أصل طبيعي والعكس صحيح أيضا. ويصبح الإنسان ضمن هذا الطرح له تاريخ وبداية وثقافة وذاكرة وماض وتقاليد وشعائر وطقوس ويخضع لتطورات بيولوجية وثقافية حسب منظور التطور الدارويني . و يكرر الإنسان المعاصر نفس المتعاليات الطقوسية عبر مجسدات تعويضية عدة كالفن والشعر والسحر والدين والفلكلور واللعب والسيرك والمسرح والرقص والأساطير والأحلام والرسم...ويعبر من خلالها عن ذاته وصراعها مع الواقع الموضوعي وتوقها إلى الوحدة الملحمية البدائية التي تتجسد فيها كلية الذات والموضوع.

    ب‌- خطوات المنهج الأسطوري:

    يعتمد المنهج الأسطوري الأنتروبولجي كالمنهج النفسي على خطوتين أساسيتين إجرائيتين، وهما: الفهم والتفسير. ويعني الفهم قراءة النص الإبداعي وفهم دلالاته اللغوية ومضامينه المعنوية وتفكيك شبكة صوره البلاغية ورموزه الخيالية ورصد كل المفاهيم المتكررة والمطردة وما تنسجه الصور من تيمات وموضوعات متواترة ومتكررة ثابتة. وبعد ذلك يأتي التفسير ليقوم بعملية التأويل ضمن التصور الأسطوري باحثا عن النماذج العليا ومفاهيم العقل الباطن ورواسب اللاشعور الجمعي قصد ربطها بالنماذج العليا البدائية والفطرية أي بالثقافة الأولى. كما يعمد الدارس إلى دراسة الرموز والمتعاليات والصور الخيالية كرواسب ثقافية بدائية تذكر الإنسان المعاصر بالإنسان البدائي وتطوراته الحضارية وما بينهما من طقوس مشتركة موروثة. وتشكل هذه الأنماط المتعالية " أحد الأسس التي قام عليها التفسير النمطي أو التفسير الأسطوري الذي أصبحت مهمة الناقد فيه إنسانية في المقام الأول، فالناقد لا يكتفي بمجرد البحث عن جماليات العمل الفني ولا يقنع بشرحه وتفسيره ولا يرضى بإيجاد الروابط بينه وبين صاحبه أو أحوال مجتمعه ولكنه يتجاوز ذلك كله حين يبحث عن الماضي الثقافي والاجتماعي والإنساني لهذا العمل الأدبي". و يتبين لنا من خلال هذه القولة مجموعة من خطوات المنهج الأسطوري وهي:
    * شرح النص وتفسيره؛
    * البحث عن جماليات العمل الفني؛
    * ربط النص بصاحبه وأحوال مجتمعه؛
    * التعامل مع ظواهر النص لا كظواهر فردية بل كظواهر جماعية؛
    * تحديد شبكة الصور الفطرية والبدائية

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة أكتوبر 31, 2014 7:20 am